الشرق في الموسيقى الايطالية
كتبهاسعاد خليل ، في 12 مارس 2008 الساعة: 10:47 ص
الشرق في الموسيقى الايطالية : منذ بايزيللو Paisiello وحتى باتياتو Battiato
الجزء الأول : من إعداد الدكتور روبرتو تيرابيللي Dott.Roberto Tirapelle
حضارة على مفترق الطرق
إن اكتشاف الشرق كتعبير لغوي فيما يخص مجال الموسيقى دخل إلى مجموع تجاربنا المعرفية،باعثا بذلك شعوراً بالمتعة والمفاجأة التي لا تنتهي .وهذه التجارب أصبحت في أيامنا هذه أكثر كمالاً ونضوجاً وانضمت لتستكمل ذلك التراكم الثقافي المتغلغل والعاشق لسحر ألف ليلة وليلة المليء بالأسرار والغموض.
إن انبهار الإنسان الغربي بالشرق يعني بالنسبة له بداية مغامرة ورحلة تخرجه عن مفرداته اللغوية المعتادة وعن رتابة أموره وتجعله يطل على آفاق جديدة مليئة بالاختلاف.
لقد ترك الشرق أثراً مضيئا في الإنتاج الموسيقي الايطالي الكبير وبالذات في المسرح الغنائي وفي المؤلفين الكلاسيكيين ،ومؤلفي (الباليتو)Ballettoاو الرقصات الغنائية ،وفي الأغاني ،وفي تاريخ الأغنية الايطالية وفي المغنيين المبدعين ذوي الندرة ،وفي الحكايات والتركيات ،وهذه الأخيرة كانت قد انتشرت في القرن السابع عشر وهي تحظى بالقليل من المعرفة في أيامنا هذه وسوف نتطرق إليها لاحقا بالتفصيل.
أن فيردي Verdi وسوليراSolera يحركان الشخصيات في أوبرا (نابوكو)Nabuccoبين معبد سليمان في القدس وبين حدائق بابل المعلقة وحتى روسيني Rossini يضع عينيه على بابل وملكتها سمير امييس (1823) ومرة أخرى روسييني Rossini ومرة أخرى بابل في مسرحية (كسرى في بابل )في (1812) وهي أيضاً المكان الملائم في نص كتيب المؤلف أفينتي Aventiحيث يجعل ملك الاشوريين (بالداسار ) يتحرك فيه وهكذا أيضاً مركادانتي Mercadante يجعل من قرطاجة البونيقية مسرحاً لعمله الاوبرالي في ديدون المهجورة عام (1823).بينما يقوم رسبيغي Respighi بترتيب أحداث (مريم المصرية) بين القدس والإسكندرية في عمله الاوبرلي عام (1932) .والموسيقار كيروبيني Cherubiniيختلق شخصية علي بابا (1833) ويقوم مؤلفا النص لهذه الاوبرا ميليس فيل Milisvilleوسكيربي Schirbe باختيار بغداد ألف ليلة وليلة بيئة ملائمة لهذه الشخصية.
وللشرق الأدبي على الأرض أفريقيا أيضاً أثار أكثر شهرة ذاع صيتها في العالم كالعدوى ،لكنها مع ذلك ليست أقل تفاهة .فمثلاً يقوم فيردي Verdiوغيزالانزوني Ghislanzoni بتأليف أوبرا عايدة ويرتميان في أحضان الانبهار بمصر وبالسلطة وبالبذخ،ويقوم فيغانوو vigano بابتداع رقصة (بسامي ملك مصر) وهاهو بانيتزا Panizza في رقصته اوكتافيان على ارض مصر ،أما روسيني Rossini من (فوق عرشك المكلل بالنجوم) يقدم عمله (موسى) (1818) ولكن فيردي Verdi هو الذي يعود مرة اخرى ليصنع قطعة من التراث العالمي بأعماله نابوكو ،وعطيل :إذا ماذا يسعنا أن نقول أمام هذا الانجذاب القوي إلى الثقافات الخارجية وأمام هؤلاء الإبطال وتلك الضحايا القربانية وتلك الوحدة المريرة التي تخرج إلينا من هذه الأعمال.
الشرق عند روسيني Rossini
ان الشرق قد رسم معلم فترة تاريخية مهمة في الأوبرا الضاحكة الايطالية وهذا يجعل من الواجب استمرار الأبحاث في هذا المجال .ومما يساعد على ذلك فهي الموهبة الخلاقة للموسيقار جواكينو روسيني Gioachino Rossini(1792-1868) والذي يعد من عمالقة الموسيقى الايطالية.
أن هذا الموسيقار وهو من مدينة بيزارو الايطالية استطاع أن يتوج بالنجاح هذا النوع من الأعمال الموسيقية والذي يعرف (بالتركيات ) والتي بدأ في الانتشار في أواخر القرن السابع عشر ،فقد استطاع روسيني Rossini في أوبرا (الايطالية ) أو في أوبرا (التركي) أن ينقل صورة للبيئة التركية وكأنها صورة زيتية ،بالإضافة إلى قدرته على وصف الحريم والسراي والسلطان ،وأسر الأوربيين وفرارهم من العبودية ،والحرية المستعادة .ولكن الأهم من ذلك في هذه الأعمال هو الميل السردي الفكاهي فيما وكذلك بزوغ دينامكية موسيقية مختلفة عما سبقها .
كما أننا نجد في التوزيع الاوركستر الي حضوراً كبيراً لآلات الطرق مثل (المثلث ،الطبل ،الأطباق ) كما نجد غرابة شديدة في التوزيع الموسيقي مثل وجود نوتات خارج النغمة(Extratones) والاستناد إلى نغمة ثم الخروج منها إلى النغمة الرئيسية التي تليها (Acciaccature) وإدخال نوتات معدلة في السيميتون إلى السلم الموسيقي (كروماتيزم (Cromatism وقد نقلت المصادر أنه في الاوبرا (الايطالية) تقرر استعمال (فرقة تركية ضخمة ) لتعرف على الطبول الكبيرة والأطباق والمثلثات وآلات الغلوك سبايل (Glockspiel) العسكرية والطاقية الصينية والكتوبا.
أن الشرق وان كان يبدو بعيداً إلا انه على العكس من ذلك فأنه يمثل تسرية عن النفوس وحلماً مختلفاً ،وخروجاً عن الحد ،وثورة على القواعد ،وتجديدا للزي وتغييرا للمناظر ،وحفلات عظيمة على الطريقة التركية تحيط بالمنظر المسرحي فتعمل على إعجاب الجميع.
(التركيات) والانجذاب إلى النمط الفني الأجنبي في الطابع الموسيقي الايطالي في القرن السابع عشر
أن استقراء الشرق كان قد ميز النزعة الموسيقية لكبار الموسيقيين إبان القرن السابع عشر فنذكر منهم باييزيللو Paisiello وشيماروزا Cimarosa وسالييرى Salieri ، فقد أراد هؤلاء أن يجدوا في الشرق الغامض والخيالي ذلك النداء الذي لايقتصر على كونه انجذاباً إلى نمط الدخيل وإنما يمثل أساسا عاطفياً وثقافياً كان قد أجتذب الأوربيين والايطاليين من قبل .
أن الاهتمام بالشرق كان قد أثار مخلية الرحالة الباحثين عن الموسيقى،ومخيلة الكتاب سواء منهم الواقعيين أو كتاب القصص الخيالية وخير دليل على ،كاتب مدينة فيرونا إيميلو سالغاري Emilio Salgarpi ،وكذلك دراسي علم الفلك الذين كانوا يلحقون آثار مجموعات الكواكب والنجوم ،والتجار الذين كانوا يحملون ومن نهاية القرن السابع عشر ،بأسواق جديدة في تلك الأقطار.
ومن ناحية أخرى ،فأن كان الشرق يدخل كجزء من التركيبة الوراثية الجينية للمؤلفان باييزيللو وشيماروزا ،فما قولنا في المؤلف سالييرى ، ابن مدينة لينيانو وموسيقار بلاط فيينا ،والذي كان يعيش في نفس عهد الموسيقار موزات Mozart فقد كان هذا المؤلف ل أيجد غظاظة في أن يطلق عنان خيالة نحو الشرق ولعل ،محاولاته المنهجية في هذا ذات معنى ،وتمثل علامة واضحة في هذا الخضم.
إن الدراسة والبحث في هؤلاء الثلاثة من الموسيقيين يريد أن يكون تثمينا لغنى تقاليدنا وهو أمر نفخر بسرده.
المعبود أو الوثن الصيني 1767
مسرحية موسيقية من تأليف جان باتيستا لورينزي Gian Battista Lorenzi ومن موسيقي جوفاني باييزيللو Giovanni Paisiello.
ولد جوفاني باييزللو في مدينة تارنتو عام 1740 وكانت نشأته في أحضان الوسط الفني لمدينة نابولي. وبعد أن قدم أول أعماله في مدينة بولونيا كمؤلف أوبرا وحصوله على أول علامات النجاح الفني في المدن الرئيسية بشمال إيطاليا ،عاد في ربيع عام 1766 إلى نابولي بعد أن دعاه المتعهد الفني للمسرح الكبير في نابولي Teatro Grande إلى تأليف مسرحية ضاحكة بعنوان ( الأرملة صاحبة العبقرية) وأصبح هذا العمل الأول من جملة أعمال ناجحة جعلت الموسيقار باييزيللو ينال الخطوة والتفضيل لدى بلاط أسرة البربون الحاكمة.
وأحداث المسرحية تدور على خلفية (صين) خيالة وأعطى التنوع في التركيب السردي للمسرحية الفرصة لبايزييللو ولور ينزيني لكي يحددا معالم الشخصيات فيها بطرق متعددة الاختلاف.
العشاق الأتراك 1793
أوبرا هزلية ضاحكة من فصلين تأليف جيوسيبي بالومبا Giuseppe Palumba وموسيقي دومنيكو شيماروزا Domenico Cimarosa.
على مدى قرنين من الزمان فان عمل شيماروزا الفني هذا لايحتاج لتقديم أو تعريف إذا انه يمثل عمله الوحيد الذي لايزال إلى أيامنا هذه يقدم في المسارح.
إن القدر الفني للموسيقار شيماروزا (ولد في افيرزا ومات في فينيسيا _1749-1801) كان يبدو في ذلك الزمان ولا يزال يبدو الآن مليئا بالتناقضات .فقد حظي في زمانه بحفاوة عظيمة تليق بواحد من أفضل الموسيقيين الذين ظهروا على مسرح الأوبرا العالمية غير أن ظهور شخصيات موسيقية أخرى مثل موزارت وروسيني طغى عليه وأدخله إلى منطقة الظل وذلك لتمتع هذين الفنانين بحس وثراء فني كبيرين الأمر الذي جعلهما يجتازا فنيا بمراحل ما ورثاه عن هذا الموسيقار.
لقد كان استعماله للهجة المحلية لمدينة نابولي شهادة ذات قيمة في هذا الصدد.إذ ان هذه اللهجة أتت بمقترحات لغوية جديدة تبعت حسب رأيي على الاستحسان الكثير ومثال على ذلك نرى ذلك اللقاء –التصادم بين شخصية خيالية لمواطن إيطالي من نابولي وبين شخصيات أخرى لا أساس لها من الواقعية ،من فارس أو تركيا أو من البربر ، وهذا النمط أتى بإشكال صوتية موسيقية جديدة تشبه تلك الأنماط الصوتية التي أتى بها فيما بعد روسيني في أعماله الموسيقية الهزلية .أن هذه الشخصيات وأن تتميز بهبة نادرة وهي اللاواقعية ولكنها في نفس الوقت تعكس بأمانة خيال عامة الناس عندما يستشعرون الشرق.
أكسور ملك هرمز1787
هي مسرحية تراجيدية كوميدية في خمسة فصول تأليف لورينزو ديل بونتي Lorenzo Del Ponteوموسيقي انتونيو سالييرى Antonio Salieri.
على الطرف الاخر من حكاية بطل هذه القصة المؤلمة ونقيضا لها نجد تفاهة البلاط الحاكم وبعثة على السخرية.وقبلها نجد في نص كتيب بيومارشي محاولة جعل (فضلية الفقراء وتأثير رأى الناس) يقفان بالمرصاد لاستبداد الاقوياء وجورهم من فسادهم.
ونستطيع القول أن الأوبرا هي أحسن أعمال سالييرى وقد حظت بنجاح كبير حال إتمامها ،إلى درجة انه في السنة التالية لخروجها طلب الإمبراطور جيوسيبي الثاني إمبراطور النمسا من سالييرى أن يصنع منها نسخة معدلة لجمعية الموسيقى الايطالية في مدينة فيينا.وهكذا نشأت أوبرا جديدة هي اكسر ملك هرمز.
الشرق عند ريكادو درغو Riccardo Drigo
ولد الفنان ريكاردو دريغو في مدينة بادوفا وهو مؤلف نوسيقي وقائد اوركسترا وأصبح في أواخر القرن الثامن عشر الفنان الاكثر شهرة في بلاط قياصرة روسيا وأصبحت شهرية فريدة لاتتعداها غلا شهرة الموسيقارجيوسيبي فيردي وكان بحق يمثل الشخصية الفاعلة في الحقبة الرومانسية لموسيقا الباليتو.
وهو ابن لمحامي يدعى ايوجينيو Eugenio وابن لسيدة من النبلاء تدعى فيكتوريا لوباتي Vittoria Lupati من مدينة ادريا ،وكان طفلا عبقريا ووصل إلى أوج المجد أثناء عمله في مسرح مارينيسكي في مدينة (سان بطرس بورغ) حيث عمل قائدا للاوركيسترا واثناء عمله هذا كان يقود أيضاً الاوبرا وبؤلف موسيقى الباليتو ويعمل مع إيفانوف وباتيبا وكان على علاقة أيضا مع الموسيقار شايكوفسكي Ciaikovsky ، وقام بقيادة الاوركستر ا أثناء افتتاح مقطوعة شيكوفسكي الشهيرة (0كسارة اللوز)) ومع دياغلييف وبقليل من المجمهود نستطيع أن نذكر الكثير من الفنانين الذين تعرف عليهم في تلك الفترة أو تعاون معهم مثل روبستاين ،ريمسكي كورساكوف ،شيكيتي، الأخوة ليغات ،فوكين،نجينسكي ،والفنانات الايطاليات فيرجينيا زوكي ،كارلوتا براينزا ،انتونيت ديليرا وبيرنيا لينياني، وأيضا الفنانات الروسيات بريوبرا جيسكيايا وبلوفا ،كارسيفينا سمير نوفا.
ولكن موجة الفنان طغت على الكثيرين ومن بينهم دريغو الذي نسى ذكره وبالذات في إيطاليا ومات في فاقة شديدة في مدينة بادوفا 1930 حيث لم تكفه تلك العائدات المالية الزهيدة العائدة من حقوقه كمؤلف ،مات وهو ينتظر آملا عودة روسيا القيصرية التي كان يعشقها إلى سابق عهدها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























